الاثنين، 16 أغسطس 2021

عشقٌ لن يُهزم بقلم // أنور ساطع أصفري

 عشقٌ لن يُهزم .

قصة قصيرة .

الكاتب : أنور ساطع أصفري .

***************************************************************************************


أرخت النجومُ أهدابها ، أسدلَ الليل ستائرهُ ، غفا كالجديلةِ ، جلستْ

تحاورهُ ، تسأله بنظراتها ، يجيبها بشرود ، إستيقظت في رأسها المتعبِ

نتفاً من الذكريات ، تُخاطبُ الأشياءَ ، ترسمُ سنواتٍ تائهةٍ على مداراتٍ

غامضة ، تجعلها تحلمُ بممراتٍ آمنةٍ منحدرةٍ من صبابةِ الأزقةِ الولهى .

عناكبُ ، بخورُ ، طلاسمُ ، وجوهٌ بلا أعينٍ تتراءى لها في وحدتها .

بطقوسٍ من الحزنِ تسافرُ بنظراتها إلى كل الزوايا ، تتوسدُ قلقها المسكون

في صدرها ، تتأملُ جدرانَ الغرفةِ الضيّقةِ التي تهدرُ بهذيانٍ مرعب .

توقّفت بإصغاءٍ أمامَ الجرائدِ والمجلات ، الكتبِ والمراسلات ، هزّتْ

رأسها بألأمٍ ، أرسلت زفرةً مصحوبةً بآهٍ مشحونةٍ بغصّةٍ عالقةٍ في الحلق

" كم كان الليلُ مُعتماً بدونك " .

وقفت أمامَ المرآةِ ، تحسسّت وجهها راحةِ كفّها ، بصماتُ الزمنِ تنتشرُ

كأخاديدَ في كلِ مكان . إلتفتت إلى صورةِ الزفافِ المركونةِ في زاويةٍ

مُختارةٍ على رفٍ من رفوفِ المكتبة ، تراجعت قليلاً ، إستدارتْ ببطءٍ ،

واجهتها غرفة النومِ ، جلست على طرفِ السرير ، تأمّلت وجه الصغير ِ ،

إبتسمت ، مسحتْ بحنانٍ على شعرهِ ، شردت بعيداً ، إسترخت يدها اليمنى

خلفَ رأسِ الصغير ، إخترعت إبتسامةً دامعة ، تحسست جسدها المتعب ، تمتمت

: كان يوماً قاسياً ، فلقد أتعبني الطلابُ حتّى إستوعبوا الدرس .

تسللت من غرفةِ النومِ ، إتجهت إلى المطبخِ ، عادت بدلّةِ القهوةِ ، جلست

قربَ المدفأةِ ، تناولت لُفافةَ تبغٍ ، أشعلتها ، شعرت بجوٍ لطيفٍ مخيفٍ

وحزين .

نظرتُ إليها من وراء نظّاراتي وأنا منهمكٌ في أوراقي :

- أنا مسافرٌ في الصباحِ الباكر .

* ستتأخر أيضاً ؟ .

- يومانِ أو ثلاثة .

نفثتْ الدخانَ عالياً ، إستلقت على أريكةٍ مجاورة ، أغمضت عينيها ، أدارت

وجهها إلى النافذةِ التي تطلُّ على غرفةِ النوم ، رفعت رأسها قليلاً

تسترقُ نظرةً خاطفةً إلى وجهِ الصغير .

- ألم تفكر بولدٍ آخر . ؟ .

نهضتُ على عجلٍ ، إرتديتُ معطفي ، إستدرتُ خارجاً ، أغلقتُ البابَ ورائي

، فكان المقهى وجهتي .

أوشكَ الندمُ أن يتسللَ إلى أعماقها ، إلاّ أنها سارعت :

- لا ، لست نادمةً على شيء ، ولكن من حقي أن أشعرَ به بجانبي ، فأنا

أشتاقُ إليهِ حتّى عندما يكون معي .

تنكّرتْ لكلِ الأفكارِ المجنونةِ ، تذكّرته وهو يلتقطُ دموعها عن خديها

بشفتيه ، تسللّ الدفءُ إلى أعماقها ، إنتشرت رائحةُ الزيزفون ، إبتسمت ،

كادتْ تضحك ، نظرت حولها ، إنسلخت عن ذاتها ، وضعت رأسها بينَ كفّيها ،

أشباحٌ تطاردها ، هذيانٌ يقتحمها بأفكارٍ مشتتة ، صكّتْ على أسنانها :

- لن أُهزم .

* هل تحبينهُ . ؟

- ومن لا يحبُ نفسهُ ، فعندما سمعتهُ إكتشفتُ صوتي ، فعشقتهُ دونَ خوف .

* لكنهُ مشغولٌ عنكِ .

صرختْ بقوةٍ أيقظتْ الصغير :

- كفى ، لا بُدَّ سيعود ، وكما عرفته ، سأضمّهُ إلى صدري ، سنركضُ معاً

من جديد ونحن نرمي أكداسِ العتمة ، سأهربُ به بعيداً عن وسطٍ مشوّهٍ

يتّكىءُ على عاهاته .

* أنتِ واهمة ! .

- بل متيقّنة ، فلقد كان يكتبُ لي بالدم ، وسيبقى يعشقني .....و ..

* تابعي ، لا تصمتي .

- الصمتُ يبوحُ بما لم يَقلهُ لساني ، ليتكَ تسمعُ الصمت ! .

إستفاقت عندما علا صراخُ الصغير وهو يبكي بحرقةٍ ، ضمّتْ طفلها ، إلتفّت

ببطّانيّةٍ حينما إنتابتها رعشةٌ خجولة .

إنطوت حولَ نفسها ، أغمضتْ عينيها ، داهمتها كلماتي :

" أسافرُ في عينيكِ ، باحثاً عنكِ في كلِ شرايينِ الوجودِ وأوردته " .

تمتمت : " كُلُّ عشقٍ لسواكَ باطل " .

تستعرُ ناراً ، تتوسد خاصرة البوحِ ، ترتعش ، تدخل ملكوت الروح ، تعشق

بلا إثمٍ ، تغتسل بروحِ العشقِ ، تختلج فرحاً ، ترقص ، فتتسع دوائر

اللهفة .

ضحكتْ لأفكارها ، تنهّدت ، أخفتْ إبتسامةً مهاجرة ، تنمّ عن الإطمئنانِ ،

حلمتْ بصباحٍ جديدٍ يلوّن حدقتيها بالأملِ المسافر كالنسيم ، بقيثارةٍ

تعزفُ لحناً أقوى من العشق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق