الجمعة، 17 سبتمبر 2021

أحزان قارئة الفنجان بقلم // محمد محمود غدية

 قصة قصيرة  : 

  بقلم محمد محمود غدية

      (أحزان قارئة الفنجان)


سألوا يوماً الكاتب الكبير برناردوشو عن الرأسمالية فأشار إلى رأسه الصلعاء وغزارة شعر ذقنه قائلاً : الرأسمالية كشعرى هذا غزارة فى الإنتاج وسوء فى التوزيع، هكذا الساسة وقراء الطالع ، لديهم القدرة على صياغة الكلمات البليغة والرشيقة ، و الحادة منها سكين يشق الزبد، وهذا حال قارئة الفنجان ذات العيون الزيتونية الدافقة، والجبهة العالية المشرقة، والوجه الذى يشبه إشراقة الصباح ، تستميل ولا تميل ، 

ثلاثينية لها أنفاس اللوز وإبتسام البرتقال، باسقة كسعف التخيل ، إبتسامتها تبدا خفيفة ثم تزدهر وتلمع بغتة ، جريئة متحدية مغامرة ، أشبه بواحة صغيرة  تلمع فيها المياه وتتراقص الظلال ، خيالها متقد تبدع الكلمات كأنها صائغ ماهر ، الحرف لديها مصقول فى غاية الصفاء والأناقة ، هامسة مليئة بالشحنات العاطفية ، بعيدة عن التبذير والثرثرة ، لا يمكن معرفة أغوارها،تقرأ الفنجان من باب تذكية الوقت ، تحسبها مطلعة على حقائق الأشياء المعلومة والمغيبة ، تأخذ منك معلومة وحيدة تنسج حولها الكثير ، إذا لم تلمح خاتم الزواج فى أصبعك ، تنبئك بزواج سعيد ، تمنح التفاؤل كتاجر السعادة الذى يمنحك الراحة ، لديها القدرة على لملمة المشاعر والود المفتقد وفك شفرات القلب المكلوم وعقد الكلمات ، تتأمل الأشياء والموجودات حولها بشغف غير عادى ، لها حضور لافح ، يباغت من يتعرض له ،ويجرده من كل أسلحة الدفاع عن النفس ، ليست هناك صدفة فى قاموس العالم المحكم الذي نجرى لاهثين خلفه ، فى محاولة لفك شفرة من أسراره ورموزه ، التى كثيراً ما تستعصى على الكشف والمعرفة ، الجميع يصدقونها فى أغلب الأحيان ، ولماذا تكذب هى لا تتقاضى نقوداً ولا تقبل أى نوع من الهدايا ، تغلب عليها الرقة وهى تقلب الفنجان يميناً ويساراً فى محاولة لفك شفرات الخطوط والدوائر والأشكال المتخلفة من إحتساء القهوة ، تتمتم بكلمات مبهمة ، تبرق عيناها وتخفو ثم تستقيم الكلمات والألفاظ ، زغردت أم الفتاة فى فرح حين حدثتها عن عريس قادم لإبنتها فى يده حقائب سفر لبلاد بعيدة فيها الرزق الوفير والخير الكثير ،

 عقبالك تقولها أم العروس فى عفوية غير مقصودة لقارئة الفنجان وهى لا تدرى أنها مررت الحزن بداخلها الذى كبر ، تعيش بنفس مكسورة مثل بيت غير مسكون متهدم ، لم تفلح فى زحزحة الهم ، وحدها فى ليل الرماد الطويل تتوجع وتبكى وتحلم بمن يشاركها وحدتها، تعطى الأمل للآخرين وتستجديه ، ويموت منها جزء كل يوم ، فى غياب الألفة والدفء .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق