تلبية للدعوة الكريمة من أستاذي الفاضل محمود الرجبي كانت .....
قراءتي لنص الهايكست والشاعر المتألق الأستاذ أمير هاشم سليم Amer Hashim Selim
لا مسافة للموت
على منقار العصفور
فراشة ترفرف
بداية هي الحياة بكل تجلياتها، والتي نعيشها يومياً بمافيها من المواقف المحزنة، والمفرحة، والمبكية، والمضحكة، وفي النهاية يسخر منا الموت في لحظة مفاجئة. لا حدود لجبروته وطغيانه. لايعترف بالقوي صاحب الجسد الضخم، ولايرحم الضعيف المهزوز. ربما هو القانون الوحيد الراسخ الذي لايميز بين فقير، أو غنيٍّ ، ولابين رئيس أو مرؤوس،
بدأالهايكست نصه بجملة/ لامسافة للموت/ عبارة صادمة للجميع. مع العلم هي البداهة بذاتها. ماذا يقصد تحديداً...هل تقصّد ماذكرناه سابقاً بأنه مع الجميع على حياد ولايفرق بين زيد وعَمْرو.
أم كان يقصد شيئاً آخر ليرسم بكلماته سرعة الموت في خطف الأرواح، وكأنه البرق الذي يعمي الأبصار ، ولامجال للهروب منه وقذ ذكر في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (كل امرئ مصبح في أهله، والموت أدنى من شراك نعله) أي الموت أقرب إلى الإنسان من لمح البصر...
ياترى هل كانت هذه الحقيقة غائبة عن الهايكست؟ أم أنه يريد أن يؤكد للآخر بعدما رأى بأم عينه حدثاً لم يخطر على بال إنسان
إذاً مهما كانت النوايا، ولاعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى، فقد تيقن الهايكست، أو من أراد له الهايكست أن يثبت له بصريح العبارة لامسافة للموت، وكأن به يقرأ الآية الكريمة على مسمع صاحبه (أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة )
أو الآية الكريمة ( إنك ميت وإنهم ميتون ) إذاً تزول المسافة بهذا التأكيد الرباني ..
كل كائن في البَّر، و البحر، و الجوِّ هو معرض بدون شك للموت عاجلاً، أو آجلاً ...وما الأجل ورب السماوات أقرب إليه من حبل الوتين. ....
فالحديث عن الموت مرعب وشيق بآن واحد، فيا لهذا الشاعر الذي زرع الأشواك في فراش الكثير ممن نسي نفسه، ولم يفكر لحظة بالموت ظنَّاً منه بأنه خارج عن قانون الطبيعة ولسان حال الهايكست يقول لذلك الشخص على لسان الكاتب المعروف تولستوي ( الشخص الذي لديه فكرة خاطئة عن الحياة ستكون لديه فكرة خاطئة عن الموت )
وفجأة ينتقل الهايكست بِنا إلى السطر الثاني ممتطياً جواد اليوغن ليعلب ببراعة الفارس المقدام في ساحة التشويق وليجعل الأذهان على مفترق التأويل / على منقار العصفور/ عجباً ماذا يكون على منقار العصفور.
لو أن الهايكست قال على منقار الباشق، أو النسر، أو الصقر، أو العقاب لضاقت زواية الرؤية والتأويل باتجاه واحد، لتصورنا على منقار العقاب. مثلاً بقايا دم الضحية، أوبقايا من لحمها.لأن بطبيعة الحال يأكل العقاب من ممايصطاده، ويمزق بقوة مخالبه ومنقاره الحاد .
أما العفصفور ...فماذا يتوقع القارئ على منقار عصفور وهو أضعف مخلوقات الله ..لو قال بين فكي منقار العصفور لاتجهت الرؤية إلى احتمالات ...دودة بين فكي المنقار ولاغرابة في ذلك ..أو حشرة من الحشرات، ولكن الهايكست بذكاء المشاهد الذي التقط مشهداً ربما قد لا يتكرر
ليس مارأه بين الفكين، وإنما الذي قد رآهُ على منقار العصفور ليؤكد المغزى من سطره الأول. لا مسافة للموت، وإلا لكان الموت قد فعل فعله، وانتهى.
كم هو الفرق كبير بين على منقار العصفور، وبين فكّي العصفور ... الهايكست ينقل المشهد بكل أمانة. كأنه يوثق الحدث بكاميرا دقيقة، ولكن من زاوية إبداعية رائعة.
والهايكو هو السكون بذاته في غياب العقل ولحظة التعمق في المشهد، وخلق نوع من التواصل الذاتي بين الفكر، وماتراه العين لحظة التكوين البنائي للنص عبر الحدث الذي تراه عين الهايكست للمشهد الذي سيكون مشروع نص هايكو فيما بعد.
وكما يقول الأستاذ المبدع محمود الرجبي ( الصورة تذوب في ذهن الشاعر إلا أن الشاعر يحاول جاهداً أن لايذوب في الصورة ويبقي على حالة من الانفصال بينه، وبينها)
وهذا ماحدث بالضبط مع الهايكست المبدع أمير هاشم سليم
وهو يتابع أحداث المشهد وكما نعلم الاستنارة هي المعرفة التي تتجلى بعد كل حدث غامض وفي السطر الأخير يزيح الهايكست المبدع الستار عن ذلك اليوغن في نصه بالسطر الأخير / فراشة ترفرف / كم أبدع في خلق مشهدية رائعة
مترابطة الأجزاء بين السطور الثلاث
الأن لدينا تصور جديد للمشهد واختلاق أماكن الحدث في الذهن فقد أتخيل المشهد على الشكل التالي عصفور حط على جذع شجرة مزهرة يزقزق فرحاً وجاءت فراشة، وهي تحلق من زهرة إلى زهرة لتحط على منقار عصفور ملون بين الزهور،أو قد يلتقط العصفور فراشة محلقة في الهواء.
هنانرى قدر الفراشة قدحط بها على منقار عصفور طائر، وهذا مايتماهى مع السطر الأول من النص ... لامسافة للموت ...
هذه الفراشة الجذلى ترفرف الآن فوق موتها المحدق بها فالموت عندما يأتي قديأتي على صهوة عاصفة هوجاء وربما من تذوق لقمة مسمومة، أو من حبة عدس تسد مجرى التنفس بدلاً عن قذيفة قد تنجو منها، فلا مسافة للموت. هو قريب قريب إذا اختارك من بين الكائنات ...
وأخيراً ذكرني الحديث عن الموت بمثل شعبي جميل ( يموت الحصان ويبقى سرجه ، ويموت الإنسان ويبقى اسمه)
النص جميل جداً راق لي فهو نص ذات مشهدية واضحة ونادرة الحدوث. في الكيغو الذي عبر عنه الهايكست بمادل عليه وهو فصل الربيع على الأغلب برفرفة الفراشة دلالة على الموسمية ـ التنحي الكامل ـ ترك الهايكست مجالاً واسعاً للتأويل، والتأمل لخلق المشهد مرة ثانية في ذهن القارئ ـ نص هايكو يحمل بين كلماته الستة معنى ذات مغزى عميق ...
بورك في جمال قلم الهايكست أمير هاشم سليم وأرجو أن أكون تقربت بقراءتي من الكوامن الذي أراد لها أن تظهر في ذهن القارئ ...
...عبدالجابر حبيب ....
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق