الأحد، 20 سبتمبر 2020

ياقوتة الأردن ✍️ ‎فادي زهران

✍️ فادي زهران

( ياقوتة الأردن )

كان هناك طفل يدعى باولو في الثامنة من عمره من دولة البيرو ، يعيش مع والديه في إحدى القرى النائية ، يحب باولو اللّعب كثيراً كغيره من الأطفال و يميل إلى روح المغامرة ، والده يعمل مزارعاً بسيطاً ، والدته لا تعرف القراءة و الكتابة ، كان باولو يحلم دائماً بحلم غريب يثير استغرابه ، حيث تكون بداية الحلم : دخان كثيف ، سرعان ما ينقشع ، فيخرج منه بيوت و قلاع وردية اللّون مزيّنة و مزركشة و فريدة من نوعها منحوتة في الصخر كأنها من عالم اخر ، بعدها تختفي ، و يظهر مجموعة أشخاص يسيرون في الأسواق ، يبيعون و يشترون ، يبتسمون و يرحّبون ، بعدها يتبخرون ، و يظهر رجل يشير بيده أن أقبِل هيّا و تعال  ! و يقول له بلغة عربية فصيحة : " كنوزنا أغلى من الذّهب ، ربوعنا تثير العجب ، جذورنا من منبت العرب " ، و ما أن يتقدم باولو حتى يختفي الرجل ، و تضيع القلاع و البيوت !

كان باولو يستيقظ مندهشاً من روعة ما شاهده في الحلم ، لطالما حاول أن يخبر والديه بالحلم ، لكنه سرعان ما ينسى معظمه ، كما أنه لا يفهم الكلمات بالعربية ، كانا يخبرانه بأنه كثير التخيّل و التهيّؤات ، و ربما يهذي بسبب المشاهدة الطويلة للتلفاز ، لكن من شدة إصرار باولو على معرفة و فهم ما رآه في الحلم المتكرر ، كتب العبارة كما سمعها في الحلم لكن بحروف لغته المحلية !

مضت الأيام ، تغيرت الأحوال ، كبر باولو  و أصبح شاباً ، و ما زال الحلم يتكرر ، و نفس التفاصيل ، زادت الدهشة ، تضاعف حجم الفضول ، كانت روح المغامرة و الشغف لدى باولو تنمو و تزخر و تزداد غزارة ، وصل إلى المرحلة الجامعية ، انقطعت رؤية الحلم ، تخصص باولو في اللغات الأوروبية ، لعله يجد ضالته بين اللّغات ، بحث كثيراً بين اللهجات و اللغات ، محاولاً أن يستدل على تلك اللغة الغريبة التي سمعها في الحلم ، و التي كانت مجهولة بالنسبة إلى أشخاص يعيشون في قرية نائية في قارة بعيدة شبه منعزلة عن العالم ، حتى أن لغة القرية كانت مختلفة عن اللغة الاسبانية المعتمدة إحدى اللغات الرسمية في البيرو ، كان دائم البحث ، نشيط العقل ، صادق الغاية ، قوي الإرادة .

في إحدى المرات صادف باولو في إحدى المكتبات أستاذاً جامعياً ، و كان من حسن حظه أنه متخصص في اللغات الغريبة و القديمة كالآرامية و اللاتينية ، و لديه هواية تعلم اللّغات الصعبة ، طَرق الفضول الشديد من جديد باب عقل باولو ، أخبرَ الأستاذ بحلمه و باللغة الغريبة التي سمعها ، تحمّس الأستاذ كثيراً ، تذكر باولو أنه يحتفظ بورقة قديمة تحمل العبارة التي سمعها في الحلم كان قد دوّنها في الماضي ، حاول الأستاذ التركيز جيداً في الكلمات ، فقد كان الخط باهتاً ، قرأ العبارة بتهجئة بطيئة و بحروف لغة أهل القرية النائية  :

" كنوزنا أغلى من الذهب ، ربوعنا تثير العجب ، جذورنا من منبت العرب " ، كان الأستاذ فطناً ، أخبره أن اللّغة لابد أن تكون واحدة من ثلاثة خيارات : الهندية أو الفارسية أو العربية ،  بعد تركيز و تدقيق طويلين توصّل الأستاذ إلى أنها اللغة العربية ،  فرح كثيراً باولو أنه عرف اللغة الخاصة بحلمه ، حاول الأستاذ ترجمة العبارة رغم أنه لم يتعلم العربية ،  تواصل مع أصدقائه العرب ، أرسل لهم العبارة ، أخبروه أن معناها : " كنوزنا أغلى من الذهب ، ربوعنا تثير العجب ، جذورنا من منبت العرب "  و  كتبوها باللغتين العربية و معناها باللغة الاسبانية ، كان باولو سعيداً بأنه قطع نصف الطريق في تفسير حلمه لكن بقي أن يعلم مكان هؤلاء القوم  ، لكنه سأل سؤالا ربما يعتبره البعض ذكياً أو حتى بديهي : تحتوي العبارة على لفظ " منبت العرب " فلِمَ لَم يستدل الأستاذ فوراً على أن أولئك القوم يعيشون و يقيمون في بلاد العرب ؟! الجواب هو أنه ليس شرطا ، فأهل الأندلس مثلاً كانوا عرباً لكنهم عاشوا في بلد غير عربي و هو إسبانيا حالياً .

بعد اجتهاد من باولو و دقة عالية و سهر و بحث طويل و قراءة شاملة لكل المدن الأثرية استغرقت بضع سنوات ، توصل إلى أن المدينة التي رآها مراراً و تكراراً في حلمه منذ طفولته هي البتراء ، المدينة الوردية ، و هي مدينة أثرية تقع في قارة آسيا في الأردن ، سميّت بالبتراء و معناها باللغة اليونانية : الصّخر ، زاد الفضول عند باولو بعدما قرأ أنها من عجائب الدنيا السبع ، فقد كان يعيش في منطقة نائية  منعزلة تماما و تكاد تكون خارج العالم أجمع ، أكمل دراسته الجامعية و التي كانت في علم الآثار ، قرّر الذهاب إلى المملكة الأردنية الهاشمية لزيارة المدينة الفريدة ، التي شاهدها كثيراً في حلمه .

كان السّفر ممتعاً ، وصل إلى العاصمة عمان ، اتفق على الذهاب بعد يوم برفقة مجموعة سياحية إلى البتراء و التي تقع في جنوب الأردن في مدينة معان ،  منظرها فريد جداً ، كان باولو سعيداً  للغاية برؤية مدينة أحلامه  ، البتراء كانت عاصمة للأنباط الذين ينحدرون من أصل عربي ، تحتوي آثارا ً عريقة أغلى من الذهب  ، كان طريقها مدهش و مثير للعجب فعلاً ، زار باولو عدّة مواقع في المدينة الوردية التي نحتت بأكملها في الصخور !  ، تحتوي البتراء : الخزنة ، و قصر البنت ، و السّيق ، و السّد و قبر المسلّات و المسرح  و القنوات المحفورة و التي تدل على فن و هندسة و إتقان الأنباط ، و غيرها من المعالم الأثرية الراقية التي تدلّ على إبداع الأنباط .. تشجع باولو كثيراً .. دار بقيّة  المدن الأثرية في العالم ، اكتسب العديد من المعرفة ، أصبح عالم آثار مشهور ، بات رائد اكتشاف الحضارات القديمة ، تعلّم اللغات القديمة ، حقّق حلمه و أضحى مرجعاً معترف به بين العلماء .

لولا إصرار باولو و طموحه الكبير  في البحث و تحقيق الذات لَما عثر على ضالته و توصّل إلى سر المدينة الوردية و رؤية ياقوتة الأردن ،  فتحقيق الأحلام يحتاج إلى تدقيق و إلهام ، و بالمثابرة تحلو المغامرة ، و بوجود قوة الإرادة و الإجادة نهتدي إلى السمو و السعادة ..

✍️ فادي زهران

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق