الخميس، 30 ديسمبر 2021

عمر مضى بقلم/ حشاني زغيدي

 عمر مضى

تمضي الأيام و يمضي معها زهرة عمرنا، فتطوي أوراق دفترنا الذي حوى في طياته عمر تبدد، و أجل يتقدم ، و أحدنا لا يدري متى يحصل الوداع و يحصل اللقاء ؟! و لا يدري متى تدق ساعة الرحيل؟! و لا متى تنتهي تلك الرحلة ؟! و لا يدري كيف تكون النهاية ؟! و معها لا ندري ما تحمل النهاية؟! أأفراحا نستبشر بها ؟ أم أحزانا تفجعنا ؟! فيجهز أحدنا نفسه قبل الوداع .

تمضي أيام أعمارنا و نحن نجهد نفسنا في عراك الدنيا الفانية، و دقات ساعات العام تجري خلفنا تهمس في ٱأذاننا، دقق حساباتك، و اجرد مدخراتك، كلمات تردد كالصدى، أحذر، فلا تدري متى يكون الرحيل ؟! فعمرك قصير ، فجهز مستلزمات سفرك و زاد طريقك . 

للواحد منا يعلم أنه صائر لأجله، فالعمر له ساعاته معدودة، فما الليل و النهار و الأيام و الشهور و الأعوام إلا عوامل، فرحلة السفر مهما طالت مدتها فأوقاتها منتهية، و المجتهد البصير من حصل زاد رحلته.

فزاد الرحلة المنتظرة حلاوة إيمان له طعم يسري في كيان الجسد، و نور يشرق في القلب فيطيب به اللسان، و تتحرر به الجوارح، فتحمله في ارتقاء ليعيش حياة طيبة سعيدة في الدنيا. و يعيش حياة المكرمين المستبشرين في الجنة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَو أُنثَى وَهُو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97] 

أما في الآخرة قال سبحانه: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: 12]..

كما أن زاد الرحلة ثبات في السير، و صبر في السير الطريق، و صبر على العقبات و المتاريس و الأشواك المزروعة هنا و هناك، و مع ذلك الصبر يعضده يقين ينير طريق الرحلة؛ فيكون الله مقصدنا، و يكون الرسول قائد رحلتنا، و يكون القرآن دستورنا. فمتى وصل اليقين بهذه الحقائق، امتلأ القلب إشراقا ؛ و ينفي عنه كل خوف لأنه بات مشغولا بحب الله تعالى و الخوف منه و التوكل عليه . 

و زاد الرحلة أيضا إخلاص لله تعالى في القول و العمل، إخلاص بالقلب و الجوارح، إخلاص في القصد و الطلب، و هذا زاد ثمين لا يستغني عنه صاحب الرحلة. يقول الله تعالي فيه "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" البينة-5

يقول الإمام حسن البنا رحمه الله مبينا حاجة المسلم لهذا الزاد فيقول : " وأريد بالإخلاص أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله وابتغاء مرضاته , وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر, وبذلك يكون جندي فكرة وعقيدة لا جندي غرض ومنفعة. يقول اله تعالى " قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ "161الانعام وبذلك يفهم الأخ المسلم معنى هتافه الدائم "الله غايتنا " . 

كما أن زاد الرحلة عمل صالح يقدمه المؤمن لوجه الله تعالى يرجو به جنته ، و العمل ثمرة من ثمار الإخلاص و لا يتحقق إلا إذا أصلح المسلم نفسه، و عمل على تكوين بيت قوامه الصلاح، و أسهم في ارشاد مجتمعه، و سعى في إصلاح أوضاع وطنه، و اهتم بهموم أمته بذلك كان فردا عاملا، كان فردا صالحا . . يقول الله تعالى " وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " التوبة:105.

المسلم يبذل وسعه لتحقيق هذه الواجبات، فلا يترك طريقا لليأس ؛ يحول دون تحقيقه لأن المنى أن يفوز  المسلم بالأجر العظيم يقول عز من قائل: " أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ " (136) آل عمران 

الأستاذ حشاني زغيدي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق