قراءة نقدية لومضة الكاتبة"رندة المهر" بقلم الاستاذ صاحب ساجت
الومضةُ:-
" عَدْلٌ "
"قَتَلَها بِاسْمِ ٱلتَّقالِيدِ؛ خَنَقَتْهُ أَغْلالُ ٱلنَّدَمِ."
العنوانُ:-
" عَدْلٌ Justice "
لُغةً:- عَدَلَ يَعدلُ فهو عادلٌ من عدول و عَدْلٍ... بمعنى:- مستقيمٌ، و خلافُ الجور، و هو القَصْدُ في الأمور، و التوسط بين الإفراطِ و التفريطِ.
اصطلاحًا:- الإستقامةُ على طريقِ الحقِّ و اجتناب المحظور ، و هو:- أن تُعْطِي من نفسكَ الواجبَ و تأخذهُ.
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} النحل-٩٠
و العدلُ مفهومٌ إخلاقيٌّ و سياسي- و هذا ما يَهُمُّنا هنا- يعني الحق أو القانون، و هو فضيلةٌ اخلاقية للشخصية في المجتمع-.
فنجدُ الوامضَ"كاتبَ الومضة" قد تبنَّىٰ هذا المفهوم و أشارَ ضمنًا إلى تحقيق العدالة في الإجراءات التي اكتملت بها فكرة الومضة.
و للتنويه.. يحصلُ لِبْسٌ في الفرق بين العدل و القسط و الإنصاف!
فالعدلُ:- كما أسلفنا آنفًا- الإستقامة و القصد في الأمور، خلاف الجور.
أمّا القِسطُ.. فلهُ معنيان، الأولُ- العدل، و الآخر- الحصَّةُ و النَّصيب. {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ} المائدة- ٤٢
و القرآن الكريم لم يستعملْ العدل مع الميزان مطلقًا، انما استعمل.. القسط.
و لم تردْ كلمة العدل مع الوزن، و يبدو ان العدل هو إعادة الحقوق لأهلها، أمّا القسط فهو الوسيلة التي يتحقق بها العدل.
بينما الانصاف هو:- إعطاء نصف الشيء و أخذ النصف الآخر من غير زيادة أو نقصان، سواء في العدل أو في غيره!
المتنُ:- " قتلَها باسمِ التقاليدِ؛"
ثَمَةَ عبارة صَدَّعتْ رؤوسنا في مناسبات عديدة، شفويًا، مفادها:-
(بحسبِ التقاليد أو وفقًا للتقليد!)
فضلًا عن بعض دساتير العالم التي تُراعي في نصوصها مفهوم ' التقاليد
و الأعراف المتعارف عليها' و بخاصة التي ترتبط بالديانات، و لا تشكل خرقًا أو انتهاكًا للقوانين، بحيث نجد سلطة العشيرة تبسط نفوذها و تقاليدها على تنظيم أمور و علاقات المجتمع، و تحسمُ مشكلاتٍ و خلافات في الريف و في المدينة على حد سواء.
و التقاليدُ عاداتٌ مقتبسةٌ من الماضي إلى الحاضر، ثم المستقبل! أي: متوارثة
عبر الزمن.
بينما العاداتُ مجموعةُ أنماطٍ اعتيادية، تنتقل من جيل إلى جيل آخر، و كلاهما ضار بالمجتمع، مثل:-
وأد البنات و الذهاب للعرافين و المنجمين!
أمّا الومضة- أصل الموضوع- فانها تبدأ بالفعل(ق ت ل) على وزن 'فَعَلَ' ، و هي عملية ازهاق نفس ظلمًا و عدوانًا، و القاتلُ و المقتولُ هما:-
* أمّا.. رجلٌ و أمرأةٌ؛ أداة الجريمة التقاليد السائدة، و بيئة الجريمة مجتمع انساني تحكمه اعراف و تقاليد!
* أو.. الحرية و المستبد؛ أداة الجريمة سلطات و قوانين نافذة باسم الشرعية. بينما بيئة الجريمة هي كل مَنْ يتستّرُ و يحرصُ على بقاء الاستبداد طويلًا و هو:- النظام الاستعماري العالمي و ذيوله!
لا يغيب عن البال.. ان الانسان هو صانع العادات و التقاليد، و هو.. صنيعتها! و البيئة حاضنة شرعية لها، جودةً و رداءةً، علمًا و جهلًا، استقامةً و انحرافًا.. تتمثلُ في السلوك الاجتماعي للناس الذين يبنون تصرفاتهم في الأحداث و المواقف و المناسبات.. عليها.
العجزُ:- "خنقتهُ أغلال الندم."
( بشر القاتل بالقتل).. عاقبة او نتبجة أي فعل، خيرًا او شرًّا، من جنسه! و هذه قاعدةٌ شرعية، دافعةٌ للأعمال الصالحة، و ناهيةٌ عن الظلم، و مواسيةٌ للمظلومين.
و هذا مصداقُ للعدل و الاستقامة، و ضمان لكل ذي حقٍ.. حقَهُ!
الغلُّ:- دخل في الشيء، و يختص بما يُقَيَّدُ به، فيجعل الأعضاء وسطه، جَمعُهُ- أغلالٌ-
{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ} غافر-٧١.
خنقَ:- منعَ التنفس بالشدِّ على العنق، و من مرادفاته الفعل-قتل- في بداية الومضة "قتلها باسم التقاليد" فكلا الفعلين نتيجتهما واحدة هي:-ازهاق النفس، الموت!
لكن في المتن كان ظلمًا، أما في العجز ، فعقوبة و جزاء.
كشعور بالحزن و العار و الذنب، بعد تصرف خاطيء، و الأغلال مضافة الى 'الندم' ، التفت على عنق المجرم و خنقته.. جزاء لفعله!
تحليلُ الومضة:-
تنقل لنا الومضة أبشع صور الموت، في الظلم و في العقوبة.
ترسم طريقًا واحدًا تمرُّ عبره- ذهابًا و إيابًا- شتى أجناس الناس، و في أزمنة قد تختلف نسبيًا فيما بينها، لكنها تتكرر في نواميس المجتمعات، و تُخَلِّفُ ضحايا و خسائر لا يمكن تعويضها، إلّا بتغيير فلسفة المجتمع و علاقات ناسه و تلبية حاجاتهم.
* العنوان:- "عَدلٌ"
اسمٌ مفرد، نكرة، يشمل أنواع الاستقامة التي ترفض الجور.
يُسَهِّل على المتلقي أن يلجَ - عبره- الحدث الذي رصدته الومضة، و الاحاطة بحيثياته، و هذه هي مهمة العنوان.
* حملت الومضة فعلين مترادفين، كلاهما أنتجا ذات النتيجة؛
الأول.. 'قتل' بفعل فاعل حقيقي يحكم باسم شريعة التقاليد، لا يثنيه أحد، بل تعضِّد أفعاله لوائح قانونية، تضمنتها دساتير بعض المجتمعات.
أمّا الثاني.. 'خنق' محسوس غير ملموس، معنوي غير مادي، يكاد يكون ذا سلطة جبارة، تؤدي فعلها بدفع و استنهاض القوى النفسية، الكامنة في ذات الانسان و في عقله، أهمها الضمير
و الأفكار و الوعي.
* نَسَبَ الكاتبُ..عملية القتل إلى التقاليد، و عملية الخنق إلى الندم، و هما عمليتان غير ماديتين.
* الإستعارةُ:-
في المتن"قتلها باسم التقاليد؛" حُذِفَ الطرفُ الأول'المُشبَّه' تقديره:- فلان او المجموعة الفلانية.
و صَرَّحَ بــ 'المُشَبَّهِ به' الطرفُ الثاني :-
التقاليد.
و أصلُ الجملة:- فلان او المجموعة الفلانية، قتلت باسم التقاليد. هنا.. إستعارةٌ تصريحية.
أمّا في العجز " خنقته أغلال الندم." حُذِفَ الطرفُ الثاني 'المُشَبَّه به' و هو:- الحبال، و بَقيَت صفةٌ من صفاته تدلُّ عليه.
فالأصلُ هو:- أغلالُ الندم كالحبال خنقته. لكن الندم لا أغلالَ له، و لا يؤدّي ما تفعله الحبال، مع ذِكرِ ما يدلُّ على فعل الحبال- لو لُفَّتْ على الرقبة-
لحصلَ الخنق. و هنا.. إستعارة مَكنيَّة.
* 'قتل و خنق' فعلان مزدوجان، مفهومهما واحد، جاءا ضمن جملتين متشابهتين في المعنى، متفقتين في الطول و التركيب. و الإزدواج يكسب التعبير جِرْسًا موسيقيًا يطربُ الأذن، مع توافق المتن و العجز بعدد الكلمات.
* كِلا الفعلين على وزن واحد"فعل" زمنهما ماضٍ، فاعلهما معلوم، يدلّان على استمرارية الحدث طالما التقاليد لها الأثر الكبير في تسيير أحداث الحياة المجتمعية.
أخيرًا...
جاءت الومضة على سياق واحد،
و وضعت أمام المتلقي مفاهيم كبيرة بأثرها، بستِ كلمات، و بفعلين ينبضان حركةً و افعال سريعةً، يستهدفان توجيه نقد و لوم لاذع لكل ما يُخرِّبُ كيان بناء الله سبحانه، في الارض، و تحت سلطة أي مسميات ما أنزل الله بها.. سلطان!
هذه الومضة رفعت لواء الٕاحتجاج عاليًا ضد الظلم و الوحشية، على الرُّغم انها حملت عنوان، باتَ طموحَ كل إنسان في المعمورة...
مع أطيب التحيات.
(صاحب ساجت/العراق)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق