الاثنين، 21 ديسمبر 2020

قصة طويلة سندباديون المقطع السابع بقلم // موسى غافل

 قصة طويلة

سندباديون

المقطع السابع


ما قبل الأخير

تَلَقَفَه أول طفل مجنح .. عانقه ، و حلّق به بعيداً. المجنّحون الآخرون طاردوهما ضاحكين .طوّح به المجنّح الأول، و قذفه بكل قوته إلى الفضاء . سمع قلب أُمه يستغيث : إبني .. إبني .. ألله رعاك، أسم الله رعاك .

قال ولودي وهو مستغرق بضحكه :

ــ لا تخشى شيئاً يا قلب أُمي.. إنهم يمرحون و يعبثون معي . ليس هنا أَرضا أرتطم فيها . إنها سماء على الإطلاق .

قال المجنح الأول :

ــ أتدري يا ولودي ، أين هو والدك ؟

قال :

ــ أين ؟

قال :

ــ في تلك البركة النورانية .

قال ولودي :

ــ أي بركة!! أية بركة تلك ؟؟

قال المجنح :

ــ إنه يستلقي ، باستمرار . إنه لم يزل يشعر بتعبه السابق .

هبـــــط الأطفال الكرستاليون ، بين دروب أيك النــــور. اغتسلوا كما تغتســل العصـــافير في ينابيع الضوء. تصافحوا مع طيور الجنة ، التي هبطت توّاً ، وهي تقول لهم : ــ نعيـــماً .. نعيـــماً .فيجيبونهم : ــ أنعم الله عليكم .

قال طير ياقوتي لولّودي :

ــ أنت في زيارة لأبيك.. أليست هــــذه و جهتك ؟

قال :

ــ كيـــــف عرفتــــم ؟

قال طير الجنة :

ــ كيف لا نعرف ؟ منـــذ أن منحتــــك أُمــــــك حشــــا صدرها .. عرفت الملائكة و الطيـــــــور .

* *  *

كان الأب يرقد في بحيرة النور . ما أن شاهد و لودي ، حتى لوّح له بيديه مرحبـــــــاً :

ـــ جئــــت يا بــــني ؟

قال ولودي :

ــ جئت يا أبي . كيف أحوالك يا أبي ؟

قال الأب :

ــ آ..... حسنة. حســنة يا ولدي. ها أنت كبرت . ما الذي أوصلك ؟

قال : ــ قلب أُمي و رئتيها .

قال الأب :

ــ كيف فعلت هذا يا بني ؟ لقد أتعبها أبوك من قبل ، و لحقت أنت !؟أخشى أن تكون قد كلفتها كثيراً . بدأ الأب حزيناً. قال :

ـــ قرّبهما إليّ يا بني . ضعهما في متناول يدي .. آ......ه كم أنا متلهّف؟ يا لها من منكودة الحظ. كم كنت أتلافى ما يحزنها ؟

بكى ولّودي .

قال الأب :

ـــ لا تبك. دع البكاء . أنت رجل .

قال وليد:

ـــ أنا لست رجلاً. أنا طفل . هل أنت لا تطيق بكائي يا أبي ؟ ألا تعرف .. ما فعله غيابك بحالنا ؟

قال الأب :

ـــ وماذا ينفع علمي ؟ ليتني لا أعلم ولا أحس . كيف أنت ؟ اقترب مني و دع البكاء يا وليد ، هذا لقاء جميل .

قال ولودي وهو يبكي :

ـــ إذن لماذا لا تبتسم يا أبي ؟ ألا يفرحك مجيئي ؟

قال الأب :

ـــ آ......ه يا لي من هذا النسيان . سأبتسم حالاً. هذا من حقك يا عزيزي . كيف فاتني ذلك ؟ ! أنت جئت من أجلي أليس كذلك؟ إذن كيف لا أبتسم ؟ آ......ه يا ولدي . من غير الصحيح .. أن يلتقي الآباء بأبنائهم دون ابتسامة .

ظل الأب يتململ وهو يبتسم :

ــ هل راقتك ابتسامتي أيها العزيز ؟هل هي ابتسامة جميلة ؟ إنها ابتسامة رجل ميّت، ولا يستطيع النهوض .

قال ولودي :

ـــ هل هناك أجمل من ابتسامة الأب ؟ ما الذي تريد أن تفعله يا أبي ؟

قال الأب :

ـــ أنا أُحاول أن ألاقيك قاعداً. فليس من عادة الآباء أن لا يحفلوا بأبنائهم . من عادة الآباء .. أن يستقبلوهم بين الأيدي . ويلّقون بهم في الهواء و يكملون بهم استدارة كاملة .. لكني لا أستطيع . لقد ثقبوا صدري على سعته .

فتح الأب ذراعيه ، و ألقى ولودي بجسده بينهما . لكنه ارتكس في عمق صدر أبيه .

قال ولودي :

ـــ ما هذا يا أبي ؟ ؟

ضحك الأب و قال :

ـــ أُ....ه . اه، أه ،أه . آ....ه يا ولدي العزيز ما الذي فعلته يا ولدي ؟ألم تسمع بالمطوى ؟ لقد جعلوا صدري فارغاً كالمطوى، لاختراق كلاب السيرك ، ولا شيء آخر .

قال ولودي :

ــ إذن لم يبق لديك من حشا

ضحك الأب :

ــ أه، أه، أه . تماماً يا شاطر تماما .

همس قلب الأم :

ــ إذن خذني و الرئتين أيها العزيز .

قال الأب :

ـــ أسفي عليك أيها القلب ، أسفي عليك . أي شيء أبقيته لديها ، حتى أغتصب قلبها ؟

في كل ليلة .. حيث يهيمن الحزن .أبعث بروحي إلى هناك ، لكي أتفقدكما،فيصيبها الغم و تعود . كيف لي أن أُسعد باغتصاب ما تبقى لديها ؟

حوى الأب بين ذراعيه القلب و الرئتين ووضعهما في فراغ صدره وقال :

ــ آ ...ه أيها التعسة . كم هو شقاؤك كبير ؟ما الذي جنيته من زوج لم يبر بوعوده لإسعادك ؟يا له من خبز بائس .يا له من رغيف خبزتيه على دخان البارود والحرائق . يا لها من حياة زوجية بائسة.

راحت كفّاه تلامس شغاف القلب و الرئتين ، ملامسة رقيقة . و القلب يلوذ نابضاً في ذلك الخلو الصدري . تأوه الأب :

ـــ آ.....ه أيها القلب الحزين .. كم هو شقاؤك كبير ؟ اغرف من جزالة الهموم ، فهو وافر حد التخمة . هل تصورت الزواج نزهة جميلة ؟هل تصورته مفروشاً بالورود ؟

وا....أسفي أن تظهرني المحنة .. كأني ناكث بوعدي و غادر. لو كنت مخيّراً بأمري ، لضمنّت عقد الزواج عهداً: أن لا أخفي عنها أمراً.. كي تختار طـــــوعاً و بملء إرادتها ، ذلك الطريق الموجع الذي انغمرت فيه ، وا أسفاه. خذف القلب كالنفيضة. كالذبيح . و الرئتان يلتصقان على أضلاعه .

قال الأب :

ـــ ما الذي أصنعه الآن ؟ وكنت مثل ملاك. كنت ذو خيال رهيف . لأجمل ما يتخيله العشاق . أحلم باقتناء عربة من العسجد و الفيروز . مثل عربة ساندريلاّ . لأجمل زوجة . أجري فيها بين النجوم . أملأ هاتين الرئتين بالعطر و النور . يا إلهي .. إن الأماني .. لا تجد لها فألاً حسناً .فالقدر يأتي بالرياح الهوجاء و يحطم كل شيء .

كم كانت الأمور تبدو يسيرة ؟ يا إلهي.. هل هناك حب متعب مثل حبنا؟

موسى غافل

9/نيسان/2002

يتبع


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق