قصة قصيرة :
بقلم محمد محمود غدية
( المسافـــرة)
موفورة الملاحة بوجنتين وشفتين وعينين نجلاوين مسالمتين ، تنضج كلها بالصحة الفياضة ،
فى أتيلية لبيع اللوحات الفنية توقفت طويلاً ، أمام لوحة " الشاردة " التى رفض الفنان بيعها ، لما تحمله من وجع فى شرايين الغياب .
يحمل الإنسان بداخله تناقضات ، قد تبلغ حد الجمع بين الأضداد ، كالغموض والوضوح ، النبالة والخسة ، الإحجام والإقدام ، الصدق والكذب ، الحب والكراهية ، هى أشياء عصية على الإدراك .
بحرت به الزوارق ، إلى جزر الحياة المبهمة الغامضة ، زوارق الحب وحدها هى من وضعته فى منتصف المسافة ، بين عالمين متناقضين فى طبيعتهما وتكوينهما ، عشق الفن لأن فيه حياة فى محاولة لزحزحة الهم بعض الوقت ، ليستأنف بعدها ، رحلة الوجع التى لا تنتهى .
الليل فى لوحاته كائن بليد ، يعيش تشكيله على هواه ، وكأنه يلقى بمحبرة الألوان كاملة على اللوحة ، فتصبغ بالسواد .
با إستثناء " الشاردة " طالتها المساحة الأكبر من الوجع ، والتى توقفت أمامها موفورة الملاحة لأنها تشبهها ، وكأن ما يحيط باللوحة ، يتشكل من دمعاتها ملامح غريق يتوسل النجاة .
- سألته : لماذا كل هذا الوجع والسواد ، وكأنك الراكب الوحيد فى قطار الحزن ، أشبه بالبجع المكسور الجناح ، فى ثلج الفضاء العاصف ......... ؟ !
- دعاها الفنان إلى مشاركته فى فنجان قهوة لم تمانع ، لرغبتها فى كشف أغوار الوجع المتمدد حتى الأحداق .
سجل على الورق أمامها مقطع لقصيدة للشاعر خليل حاوى :
- كل ما أعرفه أنى أموت / مضغة تافهة فى جوف حوت .
صدمه قولها : إن الفشل فى الحب ، لا يعنى الموت .
تكلمت : كأنها مطر يروى أرضاً متشققة من الظمأ ، يحدق فى عينيها ، يستكشف ألقهما للمرة الأولى ، وكأن العالم ، يبدأ خلقة من هاتين العينين .
تشبه المرأة البعيدة ، التى أشرقت يوماً فى ظلام حياته،
الوقت شتاء ، يلمس الدفء الذى يشع قبالته ، والذى إمتد بطول قلبه وعرضه فى دعة وهدوء ، تحدثه عن الرجل والمرأة المغموران بوشاح المسرة، وأن الحب مسرة للجسد والنفس ، به تشف الروح ، ويتفتح الجسد .
تعتذر لأن طائرتها ستقلع بعد ساعات ، لتذهب ..
وتبقى على الجدران لوحة وحيدة ، لإمرأة بعيدة وعلى الطاولة منفضة الصمت ، المليئة بأعقاب كلمات لم تكتمل ، لإمرأة مسافرة فى الغياب .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق