(دورالضمائر في السرد الروائي)
د.نجم الوندي
تعتبر موضوعة الضمائر السردیة، واحدة من اهم واعقد المواضیع في الممارسة النقدیة. فهو موضوع قدیم وحدیث في آن واحد. تناوله ( افلاطون) في معرض حدیثه عن الصوت السردي في القصیدة الغنائية والشعر المسرحي والملحمي. اذ قال ٲن صوت الشاعر یطغی في الاول ولانكاد نسمع صوت الآخر فیها، في حین نجد هناك صوتان في الثانیة والثالثة اي في الشعر المسرحي والشعر الملحمي، احدهما یمثل صوت الشاعر والآخر یمثل صوت الممثل او البطل في النص المعد للتمثیل فوق خشبة المسرح، او عند قراءة نص ملحمي من قبل القاريء.
وفي نهایات القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرین عاد هذا الموضوع الی صدارة التنظیرات والكتابات النقدیة الخاصة بالروایة. حیث تناوله الروائي ( هنري جیمس ) في المقدمات التي كتبها لبعض من روایاته مثل روایة ( السفراء ) وروایة ( اجنحة الحمامة). دعی هذا الروائي الی التقلیل من سطوة السارد العلیم واحلال السارد الذاتي اي السارد المساوي للشخصیة والذي یقدم معلوماته عبر الشخصیة الرئیسة او مایسمی بشخصیة المنظور الذي یستقي السارد من خلالها المعلومات الضروریة عنها وعن غیرها من الشخصیات المشاركة في الحدث الروائي.
كانت لاراء هنري جیمس دورا كبیرا في تحدیث الفعل السردي والخروج من عباءة السرد التقلیدي الذي كان اقرب الی الحكایة الشعبیة من الروایة.
ان الروائي القدیم مثل بلزاك كان یستخدم ضمیر الشخص الثالث للقیام بسرد الاحداث وتقدیم شخصیاته عن طریق راوي علیم، یعرف كل شيء عن هذه الشخصیات ولاتخفی عنه اي شاردة وواردة . وفي كتابه ( خطاب الحكایة) اشار الناقد الفرنسي الی هذا السارد وسماه الساردالعلیم وقال عنه ٲن معلوماته غیر محددة وتمثل وجهة نظر كل الشخصیات المشاركة في الاحداث، بینما قال عن السارد الذاتي بٲن صوته یمثل صوت ووجهة نظر الشخصية الرئيسة التي تمثل زاویة السرد في الروایة ولاتغادرها، ویستخدم السارد هنا ضمیر الشخص الاول لنقل رؤیا هذه الشخصیة وكل الشخصیات الاخری التي تكمل معها الفعل السردي.
لقد قدم ( برسي لبوك) في كتابه ( صنعة الروایة)، تصنیفا آخر لانماط السرد وقسمها الی :
۱ـ السرد البانورامي
۲ـ السرد الدرامي
حیث قال عن الاول انه سرد موضوعي، یقوم السارد من خلاله بتقدیم كل مایحتاجه القاريء من معلومات عن الشخصیات دون ان یعترض طریقه اي معوق يمنع عنه هذه المعلومات. ویتدخل في كل تفاصیل الاحداث ویعرف خفایا الامور ویتم تقدیم كل الشخصیات عبر منظوره الایدیولوجي .
ٳن هذا السارد وعن طریق استخدام ضمیر الشخص الثالث المجهول ( هو) یقوم بسرد الاحداث واحدة تلو الٲخری كما یفعل الراوي في الحكایة الشعبیة. وقلیلا ما یرجع بالسرد الی الوراء لتقدیم احداث تتعلق بماضي الشخصیات. وندرة ما يستبق الاحداث الجاریة لتنقل لنا احداثا قد تقع في المستقبل.
اما عن السرد الدرامي، فیقول برسی لبوك:
في هذا النوع من السرد یتم مسرحة الاحداث او تقدیمها عبر المنلوج او حوار الشخصیات. یقدم السارد هنا الشخصیة الرئيسة بضمیر الشخص الاول، وهذا مایساعد علی التفاعل الاكثر بین الشخصیات والمتلقي، لان المساحة الفاصلة بینهما قد تختفي او تتلاشی لدرجة التماهي بین الطرفین ( الشخصیة والمتلقي ).
في مثل هذا السرد الذي اصبح سائدا في الروایة الحدیثة، مثل روایات ( آلان روب جریة و میشیل بوتور وسان سیمون...) نلاحظ كثرةالاستباق وتغیر اتجاه الزمن وعدم جریانه بشكل افقي، حیث یقوم السارد بنقل الاحداث من اي نقطة سردیة. واصبح السرد بفعل هذه العملیة اشبه بالمونتاج السینمي، حیث یستطیع السارد ان یقدم اكثر من حدث واحد وقع في زمن واحد وفي اماكن مختلفة ولاشخاص مختلفین ولكن بشكل متناوب لان الروایة لاتستطیع ان تقدم كل هذه الاحداث بشكل متجاور علی خط سردي واحد لاعتمادها علی الكتابة لا التصویر بآلة الكامیرة التي تستطیع ان تصور عدة لقطات من زوایا مختلفة وان تقدمها علی الشریط السینمي في آن واحد مستفیدة من تقنیة المونتاج.
لقد اخطٲ كثیر من النقاد في تناول هذا النوع من السرد ، فمنهم من تصور بٲن الشخص الاول في الروایة، هو السارد الفعلي للٲحداث، ومنهم من تصور بٲن السرد هنا عبارة عن سیرة ذاتیة للمؤلف الروائي. الا ٲن الحقیقة تخالف ما یدعون وما یتصورون، لان السارد هنا عنصر سردي متخیل كبقیة العناصر السردیة الاخری التي یصنعها الروائي، لیقدم من خلاله الاحداث التي تجري في العالم المتخیل الذي صنعه من خیاله ویقدمه للقاريء كنموذج متخیل قریب من العالم الواقعي. فالروایة عالم متخیل قد یمثل الواقع او یخالفه، في حین في السیرة الذاتیة یكون السارد هو كاتبها وكل احداثها حقیقیة او یجب ان تكون حقیقیة، لان هناك في السیرة عقد غیر معلن بین المؤلف والمتلقي وبموجبه یتعهد المؤلف كشف الحقیقة عن ذاته وعن مسارات حیاته الشخصیة بما فیها محطات اعتراف مثل اعترافات جان جاك روسو، ولكن المؤلف في الروایة غیر ملزم بهذا العقد وقد یكون جل شخصیاته غریبةعنه او تناقض فكره ولا مفروضاً علیه ان یكون شخصیاته نسخة من شخصیته الحقیقیة.
هناك نقاد آخرون تناولوا هذا الموضوع، اي موضوع الضمائر السردیة، ونذكر منهم علی سبیل المثال جان بویان وتزفیتان تودوروف. اعتمد جان بویان الطریقة الریاضیة في تقسیم الساردین كالشكل الآتي:
١ـ السارد> من الشخصیة ( السارد العلیم بكل شيء او الرؤیة المجاوزة)
۲ـ السارد = الشخصیة ( معلومات السارد مساوي لمعلومات الشخصیة او مایسمی الرؤیة المجاورة)
۳ــ السارد< الشخصیة ( اي ان السارد محدود العلم ویسمی الرؤیة هنا الرؤیة الخارجیة ).
وقدم تزفیتان تودوروف نوعین من الرواة لانه كان یؤمن فقط بوجود راوي او سارد موضوعي وسارد ذاتي. یقدم الاول الشخصیات والاحداث بضمیر الشخص الثالث، بینما یقدم الثاني الشخصیات والاحداث بضمیر الشخص الاول.
وهناك نقاد آخرون قد دلوا بدلوهم حول هذا الموضوع الشائك واخص بالذكر النقاد والباحثون العرب امثال سیزا قاسم في كتابه ( البناء الفني لثلاثیة نجیب محفوظ، دراسة مقارنة ) و سعید یقطین في كتابه ( تحلیل الخطاب الروائي) و الباحث العراقي دكتور شجاع مسلم العاني في كتابه الموسوم ( البناء الفني في الروایة العربیة في العراق) والكتاب في الاصل اطروحة دكتورا مطبوعة في جزٲین من قبل دار الشؤون الثقافیة العامة في بغداد. ولكن كي لایطیل المقال ویكون سببا للضجر نكتفي هنا بالاشارة الی احدی كتبي المخصصة لهذا الموصوع والذي الفته ونشرته باللغة الكردیة تحت عنوان ( سلطة السارد في القصة، المجموعة القصصیة: من قتل اوسطة كریم نموذجاً) للكاتب القصصي والمترجم الكردي ( محسن احمد محمد) والذي تم طبعه ونشره في مطبعة جامعة صلاح الدین في مدینة اربیل / اقلیم كردستان العراق سنة ( ۲۰۱٥).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق