مشاوير ...48...
___________
في الصباح وقفت عند الدوار .أردت أن أرافق أي أحد من رفاق المدرسة ..كان الوقت مبكرا .البلدة خالية من أي سيارة. ثمة سيارة واحدة فقط .تلك التى حملتني ذات عام إلى المستوصف. كنت محموم وحرارة جسمي عالية .وقد عثرت على الثعبان الأسود الذي يمر منه الغرباء. الذي قذف بي إلى الخضراء .لم أرى نساء ولا بنات .رأيت فقط التماثيل الرخامية. والساحة الطلية بالساج الأصفر والارصفة التي تمتد من الكنيسة إلى المرج الذي يطوق خاصرتها. إسمها الخضراء وهي خضراء ..بعد ذلك زرتها مرارا وها أنا في الصف السابع .وقد رحل أبناء الطليان .لم يتركوا لنا شيء نذكرهم به .عدا جمال بناتهم اللواتي يرتدين القبعات ذات الظلال المطوقة بالورود. ولا زلت أذكر سيقانهن العارية التى تشع في الصباح .كنت استرق النظر إليهن وانا أقف إجلالا لنشيد بلادي .كنت أقول كل ما أراه مجرد وهم قبل أن يقوله لنا الساسة والفقهاء .الجمال الذي يبقى هو جمالنا نحن وها قد رحلوا .وسيشيخون وهم في بلادهم وسنصبح بالنسبة لهم مجرد ذكرى ..
قررت أخيرا أن أذهب وحدي إلى المدرسة ..سلكت درب العمائر. .وأخذت طريق النهر .مررت على مقبرة (بن جحا) كانت في طريقي وقفت من بعيد وقرأت الفاتحة على أعتاب الأولياء. أحفاذ ابن همال. طلبت المدد ليستقر قلبي .خصوصا بعد أن دخلت جميلة على حياتي ..تذكرت ليلى والعرافة. وتذكرت الجنية التى أهدتها لي صاحبة الكرامة والخصر النحيل. .مازلت أذكر رائحة الصخاءب والعطور المخجلة التى تستفز جوانحي. كنت صغيرا واسكن جوف ثعبان ..ربما ما قلته سيدة الخرمه كان صحيحا .أنا حتى هذه اللحظة لم أستقر .أشعر أن الأيام تزحف بي من عام إلى آخر. أشعر دائما أنني بحاجة إلى من يقف معي ..أبحث عن الأمان. وعن سيدة جميلة لم التقي معها حتى الآن. .من تكون ؟ لا أدري وربما لن التقي معها إلا وقد كبرت في العمر ..
بيني وبين الخضراء نصف ميل .ثمة أطفال ومشاة. وركبان على الدواب مروا من أمامي كأنهم يحملون أوزارهم إلى السماء البعيدة وينظرون إلي بطرف عين .يهمسون فيما بينهم .ولسان حالهم يقول هذا هو المسحور ..الذي لبسته جنية من بلاد التيفيناغ. .كانت بنت في مثل عمري همست لشيخ يركب دابة قصيرة. نظر الي الشيخ ثم قال ..كيف حالك هل أنت ابن رأس العيد ؟ أخبرني عن الجبل هناك ..هل استقر مكانه ..قل لوالدك لن يراني ..قد تواعدنا الاسبوع الماضي لم يأتي. .وراح يضحك ..
حين وصلنا الساحة المربعة كنت قد سبقت الجميع .استقبلني مدير المدرسة .كان في غاية اللطف .ربت على كتفي وهو يشد من أزري. .أنت تلميذ مجتهد ..عال عال ..هيا أدخل الآن. ..
_________________
على غالب الترهوني
بقلمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق